&&& الخاطرة الأولى : فرضية الصيام &&&
**************
يقول تعالى: ((يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم..الآية))(البقرة:183). فأخبر أن الصيام عبادة قديمة كتبت على الأمم قبلنا، و في ذلك بيان أنه شرع قديم.

و قد ذكر أن موسى عليه السلام لما واعده ربه بلقائه، صام ثلاثين يوماً، ثم زاده الله عشراً في قوله تعالى: ((و واعدنا موسى ثلاثين ليلة و أتممناها بعشر))(الأعراف:142).

و كذلك فإن لأهل الكتاب صياماً، و لكنهم يزيدون فيه و ينقصون.

و من شهد شهر رمضان و هو عاقل مكلف فإنه مأمور بصيامه، يقول تعالى: ((شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس و بيِّنات من الهدى و الفرقان فمن شهد منكم الشهر فليصُمْه و من كان مريضاً أو على سفر فعدةٌ من أيام أخّر يريد الله بكم اليسر و لا يريد بكم العسر…))(البقرة:185).

فعذر الله أهل المرض، و أهل السفر أن يفطروا لأجل اليسر، و رفع الحرج، و هذا من خصائص شريعتنا و فضائل ديننا.

و لا شك أن الله تعالى حكيم في أمره و في تشريعه، فما شرع الصوم و غيره من العبادات إلا لحكم عظيمة تعجز العقول عن إدراكها.

فالصوم فيه تأديب للنفوس و حرمان لها عن تلبية شهواتها. و لهذا فإن الصائم ينفطم و يترك الطعام و الشراب و شهوة النكاح طوال النهار، مدة قد تصل إلى خمس عشرة ساعة أو أكثر أو أقل.

و لا شك أنه في هذه الحالة غالباً ما يحسّ بفقد هذه الشهوات، و قد يتألم، و لكن لما كان تألمه عبادة لله و طاعة فإنه يهون على النفوس الطيبة، و يكون سهلاً على النفوس التقية النقية، ذلك أنه جوع و ظمأ في مرضاة الله، جوع سببه الامتثال لأمر الله تعالى.

و لأجل ذلك ورد في الحديث المشهور أن الله تعالى خصَّ الصوم لنفسه، ففي الحديث القدسي يقول الله تعالى: "كلُّ عمل ابن آدم له إلا الصيام فإنه لي و أنا أجزي به"(أخرجه البخاري برقم 1904 في الصوم، باب: "هل يقول: إني صائم إذا شُتم؟"). و في رواية: "كل عمل ابن آدم يضاعف الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف قال الله عز و جل: إلا الصيام… الحديث"(أخرجه مسلم برقم 1151-164 في الصيام، باب: "فضل الصيام").

يقول العلماء: إن كل عمل ابن آدم له أي يضاعف الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، إلى أضعاف كثيرة، إلا الصوم فإنه لا ينحصر في هذه المضاعفة، بل يضاعفه الله أضعافاً كثيرة، فلا يدخل تحت الحصر، و ذلك لكونه طاعة خفية بين العبد و بين ربه، و لأن فيه صبراً عن شهوات النفس، و مجاهدة لها و إرغاماً لها على طاعة الله. و لهذا سمي هذا الشهر: "شهر الصبر"(كما في حديث سلمان الطويل الذي أخرجه ابن خزيمة في صحيحه برقم (1887). و انظر الدر المنثور (1/184). و إسناده ضعيف لضعف علي بن زيد، قال أحمد بن حنبل: ليس بالقوي، و قال ابن معين: ضعيف)، و الصبر ثوابه الجنة، قال الله تعالى: ((إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب))(سورة الزمر:10). فيضاعف أجرهم إلى غير عدد، إلى أضعاف لا يعلمها إلا الله.

و الصبر ينقسم إلى ثلاثة أقسام:
1- صبر على طاعة الله.
2- صبر عن معاصي الله.
3- صبر على أقدار الله.
و كلها تجتمع في الصوم.
أما الصبر على طاعة الله: فالصائم يصبر عن تناول الشهوات، و هذا صبر على أوامر الله، صبر على طاعة الله.

أما الصبر عن معاصي الله: فإن المسلم إذا علم أنه إذا اقترف المعصية، فإن هذا سيجلب عليه سخط الله فإنه يتجنبها.

أما الصبر على أقدار الله: فإن المسلم يصبر على ما يصيبه، و ما يؤلمه من جوع و عطش، و كل ذلك دليل على أنه من الصابرين: و ((إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب))[الزمر:10].

و لا شك أن هذا إنما يكون في الصوم الحقيقي، في الصوم المفيد، في الصوم الشرعي المبني على كتاب الله تعالى و سنة رسوله صلى الله عليه و سلم، لأن الصوم إنما يكون صوماً إذا ظهرت آثاره على الصائمين، و ذلك لأن صاحب هذا الصوم هو الذي يتأثر و ينتفع بصيامه.

و كذلك فإن صاحب هذا الصوم الشرعي الحقيقي هو الذي ينتفع بشفاعة الصيام له يوم القيامة، فعن عبدالله بن عمرو رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه و سلم: "الصيام و القرآن يشفعان للعبد يوم القيامة؛ يقول الصيام: أيّ ربِّ منعتُه الطعام و الشهوة، فشفعني فيه، و يقول القرآن: منعته النوم بالليل فشفعني فيه، قال: فيُشَفَّعَان"(أخرجه أحمد في المسند (2/174) و رواه الحاكم في المستدرك (1/554). و الهيثمي في مجمع الزوائد: (3/181). قال أحمد شاكر (6627) إسناده صحيح).